الرئيسية / الصفحة الرئيسية / صحة و عافية / هرِم و سعيد ؟ .. المسألة طريقة تفكير

هرِم و سعيد ؟ .. المسألة طريقة تفكير

يرى الباحثون أن التقدم في السن، وتراجع القدرات الجسدية والذهنية للإنسان لا يجعله أقل سعادة. لكن ما يهم فعلا هو طريقة التفكير الصحيحة.

ليس من السهل أن نصبح هرمين في السن، يبدأ الجسم بالترهل، والقدرات الذهنية في الضعف، ونظن غالبا أن هذه الأمور ستجعلنا مكتئبين وتعساء، لكن الباحثين يرون أن الواقع مخالف لذلك.

قد تفاجأ من حقيقة أن الكبار في السن يعتبرون أنفسهم سعداء أو حتى أكثر سعادة من المحيطين بهم الأصغر سنا، وقد أطلق الباحثون في دراستهم حول “الشيخوخة و السعادة” على هذا الشعور “مفارقة الشعور الجيد”.

ولكن ما هو السبب ؟

مجموعة من الباحثين في قسم علم النفس بجامعة فرجينيا حاولت فهم هذه المفارقة، الانطلاقة كانت من دراسات مختلفة تتحدث عن الأمور المسببة للسعادة أو للتعاسة في حياة الإنسان، بما في ذلك الصحة البدنية والعقلية، ولكن هل العوامل التي تسبب ” الشعور الجيد ” هي نفسها في كل الأعمار ؟ أم أن بعض العوامل تصبح أكثر أو أقل أهمية مع التقدم في السن ؟

قام الباحثون بدراسة عينة من 818 شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و 94 سنة، وطرحوا عليهم عدة أسئلة محاولين التعرف على الأسباب الكامنة وراء الشعور بالرضا في الحياة، عن وضعهم الصحي ؟ هل كانوا مكتئبين، قلقين أو عصبيين ؟ هل كانوا جيدين في إنجاز مهامهم اليومية ؟ ما هو مستوى معرفتهم وخبرتهم في الحياة ؟.

وتم نشر الدراسة الكاملة للباحثين في مجلة علم النفس الإيجابي (The Journal of Positive Psychology).

بعض ما وجدوه في الدراسة كان متوقعا، على سبيل المثال، الأشخاص الذين كانوا عموما عصبيين، مكتئبين أو قلقين، كانوا أقل سعادة بشكل ملحوظ، ومن المثير للاهتمام، أن تأثيرذلك على السعادة كان تقريبا نفسه في كل الأعمار.

لكن المفاجأة ، كانت أن الأشخاص الأكثر صحة ليسوا بالضرورة أكثر سعادة. تقول الباحثة أويشي : ” توقعاتنا كانت أن الوضع الصحي عند كبار السن مرتبط بقوة بالشعور الجيد في الحياة ، لأن الصحة تبدو مصدر قلق كبير، لكن المفاجأة أننا لم نجد ذلك”. أحد الاحتمالات أن الأشخاص القادرين على التفكير بإيجابية لا يضعفون بسبب مشكلة صحية، وتشرح أويشي ” بدلا من ذلك، لدى هؤلاء الأشخاص القدرة على التفكير بعقلانية في ظرفهم الصحي، فهم متفائلون بشكل عام، ويمكنهم إلى حد ما إقناع أنفسهم بأنه مهما كانت مشكلتهم الصحية فهي ليست على هذه الدرجة من السوء، فشخص ما، في مكان ما، ربما يكون في وضع أسوأ. ومن ناحية أخرى، نجد أن الأشخاص المتشائمين يشعرون بالسوء بسبب أصغر مشكلة “.

عدم وجود علاقة تربط بين العمر والسعادة كان حقيقيا لدى كل الأعمار المدروسة، ويشير الباحث سيدليسكي إلى ضرورة الحذر لأن العينة المدروسة من طرف الباحثين هي لأشخاص بصحة جيدة على العموم، والمقياس المتخذ كان التقييم الذاتي، “من الصعب أن تكون حاسما، لكن من الواضح أن الارتباط ضعيف، وإن كانت هناك أي علاقة فهي متدنية جدا، ما يهم هو أن التفكير السلبي أقوى من أي شيء آخر في نظرتنا حول الرضا في الحياة”.

الشيء نفسه فيما يخص مستوى الذكاء، كبار السن الذين كانوا أبطأ في تنفيذ المهام الذهنية لا تقل سعادتهم عن أولئك الأسرع في تنفيذها، لكن الشباب و متوسطي العمر الذين كانوا أبطأ أظهروا رضا أقل على نوعية حياتهم.

في تقييم الأداء الإدراكي اختبر الباحثون نوعين من الأداء، المتدفق والمتحجر، المتدفق هو أساس المعرفة بالفطرة، المنطق والتجرد والقدرة على التحليل والاستنتاج، أما المتحجر فهو المكتسب بالتعلم، اعتمادا على الذكريات والتجارب. يرى علماء النفس أن هذين النوعين مختلفين جدا، فعموما الذكاء المتحجر ليس لديه تأثير على شعورنا بالرضا في الحياة في حالة كان كل شيء تحت السيطرة، أما الذكاء المتدفق والذي يضعف مع التقدم في السن، فهو مؤشر إيجابي على الشعور الجيد فقط عند الشباب ومتوسطي العمر. أما عند الكبار فنقص مستوى القدرات الذهنية لا يؤثر أبدا على شعورهم بالسعادة في الحياة.

قدر الباحثون أن لهذا الأمر علاقة مع كون الذكاء المتدفق يساعد الأشخاص على النجاح في وظائفهم و أن الناجحين في أعمالهم عادة ما يكونون سعداء. لكن عندما يتقاعد الشخص، يركز على أشياء أخرى. ويعلق الباحث سيدلسكي على ذلك ” في دراستنا وجدنا حدوث تغير في القيم كل ما كبرنا في السن، وربما حتى حدوث تغير في المشاعر والعلاقات الشخصية، فربما عندما يتقاعد الشخص عن العمل يصبح لديه المزيد من وقت الفراغ، ما يسمح له بتوجيه قدراته التحليلية التي كانت مشغولة سابقا في العمل نحو داخله”.

وتضيف أويشي ” عندما تدخل في مرحلة تحليل نفسك ووضعك، نجد أن حالة التفكير والتأمل هذه هي مؤشر للدخول في حالة من الاكتئاب، لذلك إذا لم تكن قادرا على أداء مهام ذهنية معينة وأصبحت تقضي معظم يومك في تبادل الحديث مع زوجتك، فربما من الأفضل لك أن لا تفكر في الموضوع أكثر من اللازم أو تعطيه أكبر من حجمه”.

ومع ذلك، نجد أن لا أحد من الباحثين يعترض على قضاء الناس للوقت في حل الكلمات المتقاطعة أو الألغاز أو الألعاب الذهنية بهدف الحفاظ على قدراتهم الذهنية متيقظة، طالما أن هذه الأمور تعتبر في المقام الأول ممتعة بالنسبة لهم و بالتالي تجعلهم سعداء. لكن تضيف أويشي ” فقط لا يجب الإفراط في تمضية الوقت و صرف الطاقة على هذه الأمور، بما أن الحياة الاجتماعية تبقى أقوى دليل على شعورنا بالسعادة”.

في دراسة منفصلة، تجد أويشي وزملاؤها أن المتقاعدين الذين يقضون أوقاتهم في أماكن محاطين بشبكة تواصل اجتماعية واسعة (إضافة إلى توفر النقل والخدمات الصحية) يكونون دائما أكثر سعادة من أولئك المتقاعدين والذين يتواجدون في أماكن تركز على النشاطات الثقافية والترفيهية (المبالغة في ضرورة التجديد).

في النهاية، ما هي النصيحة التي يقدمها الباحثون لكل الأشخاص الباحثين عن السعادة مع تقدمهم في العمر ؟
بما أن نظرة الإنسان للحياة هي أكثر أهمية في السعي نحو بلوغ الرضا مقارنة بالظروف التي يعيشها في الواقع، فهذا يدل على أن طريقة التفكير هي الأهم. الصحة الجيدة و العقل النشيط أمور طيبة، لكن إذا كنت مكتئبا، قلقا أو عصبيا طوال الوقت، فبكل بساطة لن تستمتع بهذه النعم.

قدراتنا العقلية تضعف مع كبرنا في السن، لكن تقييمنا الذاتي لسعادتنا الشخصية لا يرتبط بتقدمنا في العمر، لذلك، حتى وإن كان تعريف الشيخوخة السعيدة هو أن تكون في صحة جسدية وعقلية جيدة، فربما قد حان الوقت لينظر الناس إلى مدى رضاهم النفسي عن حياتهم باعتباره عاملا مهما في نجاح شيخوختهم”.

شاهد أيضاً

نصائح سريعة للتغلب على الاكتئاب

نصائح سريعة للتغلب على الاكتئاب

يُعتبر الاكتئاب أحد الأمراض النفسية التي تحتاج إلى اهتمام وعناية خاصين. نقدم لكم اليوم عددا ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *