الرئيسية / الصفحة الرئيسية / صابونة الزيت والحب
صابون زيت الزيتون
صابون زيت الزيتون

صابونة الزيت والحب

في حمّام منزلي صابونة قروية مصنوعة من زيت الزيتون. هي هنا منذ عامين ربما أو أكثر. لا أدري لماذا بقيت في مكانها. ربما في حمّاماتكم أيضا واحدة ولست أخبركم بجديد.  استخدمتُ كل أنواع الشامبو في حياتي، وشممتُ كل الروائح العطرة التي تنبعث منها. أضعها الى جانب الصابونة، لا هي تنزعج، ولا أنا اغيّر تصرفي حيالها. ربما اتفقنا أن نتعايش لعامين أو أكثر، نلتقي في الصباح والمساء، وكلٌّ منا يترك الآخر حرا بين الوقتين.

شكلُ الصابونة مربّع، لونها أبيض أو ربما أصفر قليلا يميل الى الأخضر. في وسطها مستديرة صغيرة تُشبه الصُرّة. وسط البطن. أعتقد أن ثمة اسما عليها يشير صانعها، أو لعل هذا الشكل الدائري في وسطها جاء أثناء ولادتها على يد صانعها.

قبل فترة قصيرة، أهدتني جمعية لبنانية صابونا متعدد الأشكال والألوان والروائح الذكية العطرة. كلها صارت في درج الحمّام الا تلك الصابونة المربّعة المصنوعة من زيت الزيتون، بقيت هناك على الرف، تُصبّح علي كل يوم، وتتمنى لي ليلة هانئة قبل النوم. هي تنام في وعاء خشبي صغير أخذ شكلها، او هي أخذت شكله. يقال ان المتزوجين يتشابهون مع الوقت، يقيني أنهم يتشابهون قبل الزواج لكن لا أحد ينتبه الى ذلك الا بعد الزواج. كثير من الأمور لا ينتبه اليها أحد قبل الزواج، وتصبح واضحة للعيان بعده.  ثمة عبارة سمجة تقول:” ان الحبّ أعمى، والزواج يعيد النظر”. لا أدري، فهناك أزواج سعداء أيضا.  الدليل الحسي على ذلك، هذا الانسجام العميق بين الصابونة وصحنها الخشبي.

في الحَجْر الكوروني المفروض علينا هذه الأيام، نُعيد اكتشاف تفاصيل كثيرة لم ننتبه اليها. لعلّي تعرّفت على منزلي في خلال الشهرين المنصرمين. ما كنتُ أعرفه جيدا بسبب السفر الدائم. رأيتها هذه المرة أجمل من أي يوم سابق. زاد بياضُ بشرتها، غاب الاصفرار عن مسام وجهها، صارت خضرتها تُشبه شالا من حرير الشجر مُلقى على كتفيها المربّعين.

كانت عبوات الشامبو موجودة بكثرة في الحمّام. خزّنت الكثير منها ليقيني بأن الحَجْرَ سيطول. نحن جيل الحروب، نسارع الى تخزين كل شيء حين يقترب الخطر. نعرف أن وطننا الجميل سريع الانهيار بسبب سوء حكّامه وتبعية جزء من شعبه للزعماء وللعصبيات والمذاهب والطوائف. لا بأس اذا من الاستعداد لزمن حجر طويل، فالحجر عندنا أيضا غير عادي، هو أعقب فترة من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولا شك أنه يسبق أيضا فترات مشابهة. كل تخزين مفيد، ان لم أستهلكه لوحدي فهناك من سيحتاجه من الجيران والأهل والفقراء حولنا. هم يزدادون عاما بعد آخر، بنفس وتيرة ازدياد ثروات من ينهبونهم. لم ينقذنا في خلال الحرب الا التكافل والتضامن بين الاهل والجيران والرفاق.

أعدت ُ اكتشاف الكثير من الأشياء التي كنت نسيتها في منزلي. اقتربت من الصابونة. كانت خشنة الملمس قليلا. الهجر يُخشّن كل شيء وفي مقدّمه القلوب والاحاسيس. أخذتها براحة يدي. غريب كيف تعود الذكريات بمجرد اللمس. ثمة علاقة عميقة بين الحواس والذكريات، تفوح كما فاح عطر الصابونة حين رفعتها من صحنها الخشبي.

لن أستخدم أي شامبو اليوم. سأغسل شعري وجسدي بها. فتحتُ الماء، كان ساخنا أكثر مما ينبغي. سحبت يدي الى الخف والصابونة فيها. خفتُ على الاثنتين من الاحتراق. حرّكتُ حنفية قسطل “الدوش” صوب اليمين، استقرت حرارة المياه عند المستوى الفاتر الوسطي. نزل الماء على شعري، ثم مرّرتُ الصابونة فوقه. نزلت الرغوة على وجهي. ثم تسللت الى عيني، شعرتُ بشيء من الاحتراق داخلي عيني. أعدتُ الماء صوبهما. فركتهما بيدي، فزاد الاحتراق قليلا ثم هدأ.

تذكّرتُ يد أمي. كانت الحرب اللعينة تقتل البشر والحجر وشجر الحديقة. قتلت أيضا الكهرباء والمياه في البيوت. لكن أمي تحب النظافة. تجمع ما تيّسر من المياه في الخزّان، ثم تضع حلّة كبيرة فوق نار الغاز حتى تغلي. تُنزلها الى الأرض وتضيف اليها ماء باردة، وتغسل أجسادنا وشعرنا بالماء والصابون، يرتفع البخار الى جدران ونافذة الحمّام. أكاد لا أرى أمي. ينزل الصابون الى عيني فتحترقان قليلا. تصبُ عليهما الماء مرة او مرّتين، وتقترب منهما تقبلهما، فتطيبان وتستعيدان فرحهما.

كنا في مدارس الراهبات. واخواتنا الراهبات كما كنا نناديهن، حريصات على النظافة. كنّ يفتشن شعرنا وثيابنا وأظافرنا كل صباح. وكانت أمي تفرح بأن أولادها من أنظف الطلاب. كانت ترسم لنا مع والدي رحمهما الله مستقبلا نظيفا كما أجسادنا بعد الحمّام.

عرفتُ الان لماذا أحببتُ هذه الصابونة ولم أحركها من مكانها… فيها رائحة أمي ولمسة يدها. وفيها رائحة أرضنا، وتعبُ وحبُّ صانعها من أبناء الأرض الطيبين. تختزن هذه الصابونة المربّعة كل الذكريات الجميلة ورحيق الروح والقلب.  قرّرت أن ارمي كل الشامبو في بيتي. لن أغتسل بعد اليوم الا بصابون زيت الزيتون.

المصدر: موقع 5 نجوم/ الكاتب: سامي كليب

شاهد أيضاً

ما هي البدائل الحيوية ؟

تُمثّل الأدوية الكلاسيكية التقليدية الغالبية العظمى للأدوية الموجودة في السوق، وتسمى بالأدوية ذات الجزيئات الصغيرة، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *