الرئيسية / الصفحة الرئيسية / تربّيت على الحبّ الذي نعدّه في المنزل
بيتنا الصغير المليء بالحب
بيتنا الصغير المليء بالحب

تربّيت على الحبّ الذي نعدّه في المنزل

بيتنا ملاصق لبيت جدّتي، لم أسمّه يومًا بيت “جدي” لأنني لا أعرفه، أعرف جدّتي التي عاشت فيه وأكرمت زوّاره وأطعمت من مرّ بجواره.

بيوتنا “شِرْحة” تقول أمّي، خلف بيتنا حاكورة صغيرةٌ فيها زيتونٌ ورمّانٌ وتينة وشجرة بوملي صغيرة، في الأحواض المجاورة شجرتا إيكيدنيا و ثلاث نخلات، جوريٌّ وياسمينة وجميلة، نعناع وحبق ومردقوش وإكليل الجبل.

تتسلق أربعُ دوالٍ قساطل الخيمِ التي نصبها والدي ذات عصر.

نزرع في حاكورتنا أحيانًا حين يضيق بنا مدخولنا الشهري، تذهب والدتي إلى المشتل وتعودُ محتضنةً الكثير من البذور والشتلات التي تحملها برفق.

تربّينا مع التراب والوحل واللون الأخضر، تعلّمنا أمي كيف نعدّ الأثلام في الحاكورة فيصير التراب متماوجًا كبحر، نزرع بين موجاته شتلات الخيار والخس والملفوف.

ننظف وجه التراب وننقب عن الحجارة، ننثر البقدونس والكزبرة ونغطّيها بملاءة ثمّ نسقيها.

نذهب للحصول على محصولنا الذهبي حين ينضج، نضحك على خيارة لأنها نضجت أكثر من اللازم وصار حجمها عملاقًا، تكفينا جميعًا نحن الأربعة!

في العصر تعتلي والدتي سلّمًا لتنقّب عن ورق العنب، أمسك السّلم خوفًا من اهتزاز قدميه لأنّه عجوز فيسقط والدتي من تعبه، تضحكُ على تذمّري من هذا العمل لأنّني أحب “الكوسى وعريش” والملوخية لكنّني لا أريد مرافقتها في مراحل زراعتها واجتثاثها وطبخها.

اختاري الأوراق الطرية الناعمة، تملي عليّ حين أهمّ بقطف بعضها، تخبرني أنّها تفسح مجالًا للشمس لتنضج العناقيد عبر تخليص العنقود من الورق المجاور.

تحملُ والدتي البخاخة الثقيلة وتمزج فيها السم لتبيد به الحشرات التي تقتات على الدوالي، تحمل على ظهرها الهشّ ليترات من المياه والحزن.

نقطف الملوخية من الحاكورة أو نشتريها من “أبو دلة”، ننادي الجارات كي يساعدننا في “تقطيم” الملوخية كي ننجز بسرعة.

تلاحظ أمّي محاولاتي في الهرب، أعدّ لهنّ القهوة والشاي وأستمع إلى أحاديثهن وضحكاتهن عند الغروب.

علّمتني أمي كيف أعدّ الحب في المنزل.

زيتوننا يصنع بحب، نقطفه من الشجر ونجمعه عن الأرض ثم نبدأ بتخليصه من الشوائب، “لمّي الزيتون اللي تحت إمه”، المهام الشاقة لي دومًا انا التي كنت أحب تسلق الشجر.

نأخذ الزيتون إلى المعصرة وتعود أمي بالكثير من الزيت، لدينا أربع شجرات لكنّهن معطاءات سخيات.

في الخريف نعدّ المكدوس والزيتون، نرصّها في أوعيةٍ كبيرة وصغيرة ونخبّئها كي تملأ شتاءنا دفئًا.

نبعد الزيت بعيدًا عن الشمس كي لا تصيبه عدوى لونها فيصير أصفر.

نصنع المربّى، مربى التفاح والتين وتيتا كانت تعدّ مربى العنب والفراولة تجتمع في كلٍّ منها حلاوة العالم.

لا تنسى أمي الجيران وأصدقاءها، تقدم لهم من الحب الذي نصنعه في بيتنا الصغير.

بيتنا كان صغيرًا ومليئًا بالحب.

المصدر: صفحة مبدعون فلسطينيون الصفحة الرسمية / الكاتبة: عبير الرميض

 

شاهد أيضاً

نصائح سريعة للتغلب على الاكتئاب

نصائح سريعة للتغلب على الاكتئاب

يُعتبر الاكتئاب أحد الأمراض النفسية التي تحتاج إلى اهتمام وعناية خاصين. نقدم لكم اليوم عددا ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *