الرئيسية / الصفحة الرئيسية / منوعات صحية / شيخ الكيميائيين: جابر بن حيان
جابر بن حيان
جابر بن حيان

شيخ الكيميائيين: جابر بن حيان

يُمثل جابر بن حيان منعطفا جذريا في تاريخ علم الكيمياء، وفي الآن نفسه منعطفا جذريا في تاريخ الحضارة الإسلامية من حيث إنه في طليعة فئة الطبائعيين الذين تكرسوا للاهتمام بالطبيعة، وهي الفئة التي نضجت واكتملت لتحمل عبء تاريخ العلوم عند العرب.

إن البُعد الجوهر والعماد الذي تناط به منزلة جابر في تاريخ الكيمياء هو المنهج التجريبي، والحق أن هذا البُعد متبلور متألق إلى أقصى الحدود، حتى إنه يستعمل مصطلحي الاستقراء والتجربة بمعناهما ومبناهما المنصوص عليه في المنهج العلمي الحديث فيقول: “استقراء النظائر واستشهادها للأمر المطلوب”. ويقول للحث على دراسة كتبه: “لا عمل إلا بعلم قبله يتقدمه، فاعرف ذلك واعمل عليه، وإياك وإهماله، فليس يمكن كل يوم العمل والتجربة لترى الرشد فيما نقوله لك، ولكن اتعب أولا تعباً واحداً واجمع وانظر واعلم ثم اعمل”. “التجربة محك معتمد، لكنها وحدها لا تكفي، إنما تأتي صَنعة الكيمياء بالعوامل الثلاثة معًا: العلم والعمل والتجربة”.

وكما يشهد المعمل المهيب لجابر الذي عثر عليه بالكوفة في ناحية تسمى بوابة دمشق، كانت التجربة مناطه الذي يُعتد به، وليس مجرد صحائف الأقدمين كشأن البحوث الأوروبية المتزامنة معه، فيقول في كتابه “الخواص الكبير”: “إننا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه بعد أن امتحناه وجربناه، فما صح أوردناه، وما بطل رفضناه، وما استخرجناه نحن أيضا وقايسناه على أقوال هؤلاء القوم”.

والجدير أيضا بالتقدير تلمس جابر لأهمية التكميم في العلم، والتكميم سر تقدم الكيمياء الحديثة، وآية دقتها وانضباطها، الكمية عنده هي “الحاصرة المشتملة على قولنا الأعداد مثل عدد مساوٍ لعدد، أو عدد مخالف لعدد، وسائر الأرطال والأعداد والأقدار من الأوزان والمكاييل وما شاكل ذلك”. فضلًا عن القياس الذي هو علاقة بين وزنين أو طولين، وقد اشتهر عن جابر استخدامه للميزان في تجاربه واهتمام طاغ بالموازين، وقد جعلها عنوانًا لأهم كتبه.

فقد قاده اهتمامه بالدقة المتناهية في تجاربه العلمية إلى صنع موازين دقيقة خاصه به، وكان أصغرها “الحبة” التي تبلغ نحو 0,05 جرام، وهو أول من استخدم الموازين بصفة عامة في قياس مقادير المحاليل والمواد المستعملة في التجارب الكيميائية.

لم تكن الكيمياء بالنسبة للعرب كالشعر، بل هي كالفلسفة والرياضيات، بمعنى أن الثورة الثقافية العظمى التي أحدثها الإسلام ونزول الوحي في المجتمع القبلي، ومتوالياته الحضارية، لم تطورها كما طورت الشعر أو القيم أو النظم الحاكمة، بل أَوجدتها إيجادًا. أجل! لم يَعرِف العرب في جاهليتهم الكيمياء البتة، ثم عرفوها في نهضتهم المنطلِقة بعد الفتوحات الإسلامية.

كان ابن حيان أول من مارس الكيمياء عمليًا، فهو أول من اعتمد المنهج التجريبى المخبري لدراسة الطبيعة دراسة علمية دقيقة، فأدخل عنصرى التجربة والمعمل، وقطع جابر خطوة أبعد مما قطع اليونان في وضع التجربة أساس العمل لا اعتمادًا على التأمل الساكن، فيقول: “ومِلاكُ كمال هذه الصنعة العملُ والتجربة، فمَن لم يعمل ولم يُجرّب لم يظفر بشيء أبدًا”.

ومن أحدى مقولاته التي يُشدد فيها على أهمية التجريب العلمي “إن الأكثر اهمية في الكيمياء، هو أنه يجب عليك القيام بالعمل العلمي وإجراء التجارب، لأن الذي لا يؤدي عملاً عملياً ولا يجري التجارب لن يحقق أدنى درجة من الإتقان”.

ولقد عرّف ابن حيان الكيمياء في كتابه “العلم الإلهي” بأن “الكيمياء هو الفرع من العلوم الطبيعية الذي يبحث في خواص المعادن والمواد النباتية والحيوانية وطُرق تولدها وكيفية اكتسابها خواص جديدة”.

وحتى في الطب، يحتفظ جابر بحضور علمي رصين، ليظل ماثلًا في ذاكرة السنوات العشر الأواخر من القرن العشرين وما تلاه، فاهتمامه بالطب جعله يُخرج دراسة ناضجة عن السموم، الجيد منها والرديء وكيفية إيصالها للأبدان، وأسمائها والسموم المُرَكَّبة والحوادث العارضة عنها في الأبدان، وكيفية الشفاء منها والأدوية الناجعة في هذا، والأحوال الميئوس من شفائها والسموم القاتلة تواً، وقد قسم السموم إلى ثلاثة أنواع: حيوانية ونباتية وحجرية (أي من كيمياء الفلزات).

كما اشتهر جابر بقدرته العملية البارعة في وصف ترياق السموم، وفي شفاء العديد من الأمراض، وقد وَصَّف أدوية، كما اعتنى بتركيب الحيوانات وتشريحها، ولكنه أولًا وقبل كل شيء فاتح بوابة الكيمياء العربية وعالِمها الأول.

ومن أهم الإسهامات العلمية لجابر في الكيمياء، اكتشاف القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة باسمها العربي Alkali، مثل حمض الكبريتيك، وحمض الهيدوكلوريك وحمض النيتريك.

ومن أجل إجراء تجاربه بشكل دقيق، قام بتصميم أنواع مختلفة من الأوعية الجديدة مثل أوعية وأنابيب التقطير، مثل الإنبيق والتي ما زالت تعرف حتى الآن في الغرب باسم Alembic، وهي أداة تقطير ابتكرها بن حيان عبارة عن بناء بسيط من زجاجتين متصلتين بواسطة أنبوب، وعندما يتم تسخين إحدى الزجاجات تؤدي إلى تكثّف السائل بداخلها ثم تنقيطه خلال الأنبوب، ولاحقاً تم استخدام الإنبيق لتنقية الزيت المعدني إلى كيروسين الذي أمكن استخدامه كزيت للمصابيح.

كما امتدت إنجازاته إلى تحضير الفلزات وتطوير صناعة الفولاذ، وإلى الصباغة والدباغة وصنع المشمعات واستخدام أكسيد المنغنيز لتقويم الزجاج ، ومعالجة السطوح الفلزية لمنع الصدأ، وتركيب الدهانات وكشف الغش في الذهب باستخدام الماء الملكي، وتحضير الأحماض بتقطير أملاحها. وهو أول من فصل الذهب عن الفضة بالحل بوساطة الحمض، وشرح بالتفصيل عملية تحضير الزرنيخ، وتنقية المعادن.

وقبل وضع “جون دالتون” الفيزيائي والكيميائي البريطاني لنظريته الذرية والجزيئية، وضع “جابر بن حيان” نظريته الذرية الخاصة حيث قدم صورة للروابط الكيميائية التي تصل بين العناصر في فكرته عن الإتحاد الكيميائي، قائلا “: “يظن بعض الناس خطأً أنه عندما يتحد الزئبق والكبريت تتكون مادة جديدة في كُلِّيتها. والحقيقة أن هاتين المادتين لم تفقدا ماهيتهما، وكل ما حدث لهما أنهما تجزَّأتا إلى دقائق صغيرة، وامتزجت هذه الدقائق بعضها ببعض، فأصبحت العين المجردة عاجزة عن التمييز بينهما. وظهرت المادة الناتجة من الاتحاد متجانسة التركيب، ولو كان في مقدرتنا الحصول على وسيلة نفرق بين دقائق النوعين، لأدركنا أن كلاً منهما محتفظ بهيئته الطبيعية الدائمة، ولم تتأثر مطلقًا”.

وضع ابن حيان أيضاً أساساً لما يُعرف الآن باسم “جدول مندليف الدوري للعناصر” حيث استند إلى الفكرة اليونانية القديمة لتصنيف العناصر إلى مجموعات من المعادن وغير المعادن، والمواد التي يمكن تقطيرها أو الغازات.

المرجع: كتاب بحوث في تاريخ العلوم عند العرب/ يمنى طريف الخولي

شاهد أيضاً

الحشيش في لبنان

هل يصبح الحشيش اللبناني علاجا ؟

يحتفظ أحد أساتذة الجامعة في لبنان في مكتبه بنبات يأمل الباحثون أن يحول واحدا من ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: