الملاريا
الملاريا

الملاريا

الملاريا مرض فتاك تسبّبه طفيليات من فصيلة المتصوّرات (Plasmodium) تنتقل بين البشر من خلال لدغات أجناس بعوض الأنوفيلة (Anopheles) (بعوض الأنوفيليس) الحامل لها، والتي تُسمى “نواقل الملاريا” (Vecteurs du paludisme/ Malaria vectors).

وهناك خمسة أنواع من المتصوّرات التي تسبّب الملاريا البشرية، ونوعان منهما: المتصوّرة المنجلية والمتصوّرة النشيطة تسببان تهديدا كبيراً.

  • المتصوّرة المنجلية (Plasmodium falciparum): هي طفيلي الملاريا الأكثر انتشارا في القارة الأفريقية. وهي مسؤولة عن معظم الوفيات الناجمة عن الملاريا على الصعيد العالمي.
  • المتصوّرة النشيطة (P. vivax): هي طفيلي الملاريا السائد في معظم البلدان خارج أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

أعراض الملاريا

الملاريا من الأمراض الحموية الحادة. وتظهر أعراضه، لدى الأشخاص الذين ليس لهم مناعة ضدّه، بعد مضي سبعة أيام أو أكثر (10 أيام إلى 15 يوما في غالب الأحيان) من التعرّض للدغة البعوض الحامل له. وقد تكون الأعراض الأولى- الحمى والصداع والارتعاد والتقيؤ- خفيفة وقد يصعب عزوها إلى الملاريا. ويمكن أن تتطوّر الملاريا المنجلية، إذا لم تُعالج في غضون 24 ساعة، إلى مرض وخيم يؤدي إلى الوفاة في كثير من الأحيان.

ويظهر على الأطفال المصابين بحالات وخيمة واحد أو أكثر من الأعراض التالية: فقر دم وخيم، أو ضائقة تنفسية من جرّاء الإصابة بحماض استقلابي، أو ملاريا دماغية. وعادة ما يُشاهد لدى البالغين أيضاً تعرّض أعضاء متعدّدة من أجسامهم. وقد تظهر لدى بعض الأشخاص، في المناطق التي تتوطنها الملاريا، مناعة جزئية ضدّ المرض ممّا يفسّر حدوث حالات عديمة الأعراض.

الفئات المعرضة للخطر

في عام 2015، واجه نصف سكان العالم تقريباً مخاطر الإصابة بالملاريا. وتحدث معظم الحالات والوفيات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. غير أنّ آسيا وأمريكا اللاتينية، وبدرجة أقلّ، منطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق الأوروبية باتت تشهد أيضاً حدوث حالات من المرض. وقد شهد 91 من البلدان والمناطق استمرار سريان الملاريا في عام 2015.

وهناك بعض الفئات المعرّضة لخطر الإصابة بالملاريا بوجه خاص أكثر من غيرهم و يمكن أن تتطور إصابتهم إلى مرض حاد. وتشمل هذه الفئات الرضع، والأطفال دون الخامسة من العمر، والحوامل والمصابون بالأيدز والعدوى بفيروسه، بالإضافة إلى المهاجرين الذين لايملكون المناعة اللازمة، والسكان المتنقلون والمسافرون. وتحتاج البرامج الوطنية لمكافحة الملاريا إلى اتخاذ تدابير خاصة لحماية هذه الفئات السكانية من عدوى الملاريا، مع الأخذ بعين الاعتبار ظروفهم الخاصة.

سريان المرض

في أغلب الأحيان، تسري الملاريا عن طريق لدغات البعوض من جنس الأنوفيلة. وهناك أكثر من 400 نوع مختلف من البعوض من جنس الأنوفيلية، منها 30 جنس ناقل للملاريا اكتسب أهمية بالغة. والجدير بالذكر أنّ جميع الأجناس الهامة الناقلة للمرض تلدغ بين الغسق والفجر. وتعتمد وتيرة السريان على عوامل لها صلة بالطفيلي والناقل والحاضن البشري والبيئة.تضع إناث بعوض الأنوفيلة بيوضها التي تفقس إلى يرقات في الماء حيث تتحول في نهاية الأمر إلى بعوض بالغ. وتسعى إناث البعوض إلى الدم لتغذية بيوضها. وكل نوع من أنواع بعوض الأنوفيلة لديه موائل مائية مفضلة. على سبيل المثال، يفضل البعض التجمعات الصغيرة الضحلة من المياه العذبة، مثل البرك وأثار الحوافر، والتي تنتشر بكثرة خلال موسم الأمطار في البلدان الاستوائية.

الوقاية

تعتبر مكافحة النواقل هي الطريقة الرئيسية للوقاية من الملاريا والحد من انتقالها. وإذا كانت التغطية بتدخلات مكافحة النواقل في منطقة معينة عالية بما فيه الكفاية، فسيوفر هذا قدراً من الحماية في جميع أنحاء المجتمع.

وتوصي المنظمة بتوفير الحماية لجميع الأشخاص المعرضين لمخاطر الملاريا من خلال المكافحة الفعالة لنواقل الملاريا. وهناك شكلان من طرق مكافحة النواقل – الناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات، و رش المبيدات داخل المباني – أثبتا فعالية في مجموعة كبيرة من الظروف.

الأدوية المضادة للملاريا

يمكن استخدام الأدوية للوقاية من الملاريا. وبإمكان المسافرين وقاية أنفسهم من هذا المرض عن طريق الوقاية الكيميائية، التي تزيل المرحلة الدموية لعدوى الملاريا وتمكّن، بالتالي، من توقي الإصابة بالمرض. وبالإضافة إلى ذلك توصي منظمة الصحة العالمية بتوفير العلاج الوقائي المتقطع القائم على مادة السلفاديوكسين – بيريميثامين للحوامل اللائي يعشن في المناطق التي يشتد فيها سريان الملاريا، وذلك في الأشهر الثلاثة الثانية والثالثة من الحمل. كما توصي بإعطاء ثلاث جرعات من ذلك العلاج للرضّع الذين يعيشون في المناطق الأفريقية التي يشتد فيها سريان هذا المرض والحرص، في الوقت ذاته، على تطعيمهم باللقاحات الروتينية اللازمة. وفي عام 2012، أوصت المنظمة بتنفيذ الوقاية الكيميائية الموسمية من الملاريا بوصفها استراتيجية إضافية لمكافحة هذا المرض في مناطق شبه إقليم الساحل بأفريقيا. وتشمل الاستراتيجية إعطاء مقرّرات شهرية من الأمودياكين زائد السلفاديوكسين – بيريميثامين لجميع الأطفال دون سن الخامسة خلال الموسم الذي يشتد فيه سريان المرض.

التشخيص والعلاج

تسهم خدمات التشخيص والعلاج في المراحل المبكّرة في التخفيف من حدّة المرض وتوقي الوفيات الناجمة عنه. كما تسهم في الحدّ من سريانه. ويتمثّل أفضل علاج من بين العلاجات المتوافرة لمكافحة الملاريا، ولاسيما الملاريا المنجلية، في العلاج المركب القائم على الأرتيميسينين.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بضرورة الحرص، قبل إعطاء العلاج، على تأكيد جميع حالات الملاريا المشتبه فيها من خلال التشخيص الذي يؤكّد وجود الطفيلي (إمّا عن طريق المجهر أو اختبار التشخيص السريع). ويمكن إتاحة نتائج ذلك الفحص التوكيدي في غضون 15 دقيقة أو أقلّ من ذلك. ولا ينبغي إعطاء العلاج استناداً إلى الأعراض فقط إلاّ عندما يتعذّر إجراء التشخيص الذي يؤكّد وجود الطفيلي.

مقاومة الأدوية المضادة للملاريا

تعتبر مقاومة الأدوية المضادة للملاريا من المشاكل المتكررة. فقد انتشرت مقاومة المتصورة المنجلية للأجيال السابقة من الأدوية، مثل الكلوروكين و السلفادوكسين-بيريميثامين منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي مما قوض جهود مكافحة الملاريا وأدي إلى انحسار المكاسب التي تحققت بشأن بقاء الطفل على قيد الحياة.

وتوصي منظمة الصحة العالمية برصد مقاومة الأدوية المضادة للملاريا بشكل روتيني، كما أنّها تدعم البلدان لتمكينها من تعزيز جهودها في هذا المجال الهام من مجالات العمل. يحتوي العلاج المركب على الآرتيميسينين ودواء أخر مصاحب له. في السنوات الأخيرة، تم الإبلاغ عن مقاومة الطفيلي لأدوية الآرتيميسينين في 5 دول واقعة في منطقة الميكونغ الكبرى دون الإقليمية: كمبوديا، جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، ميانمار وتايلندا وفييتنام. وقد أكدت الدراسات ظهور مقاومة الأرتيميسينين بشكل مستقل في العديد من هذه الأقاليم الفرعية.

وفي 2013، أطلقت المنظمة الاستجابة الطارئة لمقاومة الأرتيميسينين (ERAR) في منطقة الميكونغ الكبرى دون الإقليمية، ووضعت خطة للهجوم عالية المستوى لاحتواء انتشار الطفيليات المقاومة للأدوية، ولتوفير الأدوات المنقذة للحياة لجميع الفئات السكانية المعرضة لمخاطر الإصابة بالملاريا.

التخلص

يُعرَّف التخلص من الملاريا بأنه وقف السريان المحلي للملاريا المنقولة بأحد طفيليات الملاريا المحددة في منطقة جغرافية معينة، نتيجة للجهود المتعمدة. ويلزم اتخاذ تدابير مستمرة للوقاية من عودة المرض إلى الانتقال.

أما استئصال الملاريا فيُعرَّف بأنه خفض معدلات الإصابة بالملاريا الناجمة عن طفيليات الملاريا البشرية خفضاً مستداماً على صعيد العالم إلى مستوى الصفر، نتيجة للجهود المتعمدة. وبعد أن يتحقق استئصال المرض، تصبح تدابير التدخلات غير لازمة.

ويتوقف معدل التقدم في بلد معين على قوة النظام الصحي الوطني، ومستوى الاستثمار في مكافحة الملاريا، وعدد من العوامل الأخرى، بما في ذلك المحددات البيولوجية، والبيئة، والواقع الاجتماعي والديموغرافي والسياسي والاقتصادي في هذا البلد.

وفي البلدان التي تبلغ فيها معدلات انتقال الملاريا مستويات مرتفعة أو متوسطة، تهدف البرامج الوطنية لمكافحة الملاريا إلى الحد من حالات الملاريا والوفيات الناجمة عنها إلى أدنى قدر ممكن.

ومع اقتراب البلدان من التخلص من المرض، يمكن لنُظم الترصد أن تساعد على ضمان أن جميع حالات العدوى تُكتشف وتعالج ويبلغ عنها السجل الوطني للملاريا. وينبغي للمرضى الذين شُخِّصت إصابتهم بالملاريا أن يعالجوا على الفور بالأدوية الناجعة المضادة للملاريا حرصاً على صحتهم ومنعاً لاستمرار سريان المرض في المجتمع المحلي.

وتصبح البلدان التي لم تشهد أي حالة ملاريا محلية لمدة 3 أعوام على التوالي مؤهلة لطلب الإشهاد على التخلص من الملاريا من منظمة الصحة العالمية.

اللقاحات المضادة للملاريا

لا توجد حالياً أية لقاحات مرخصة لمكافحة الملاريا أو أيّ طفيلي آخر يصيب البشر. ومن اللقاحات الأكثر تقدماً من حيث مراحل الاستحداث لقاح تجريبي ضدّ المتصورة المنجلية يُدعى RTS,S/AS01. وخضع هذا اللقاح للتقييم بواسطة تجربة سريرية كبيرة أُجرِيت في 7 بلدان بأفريقيا، وتلقى رأي إيجابي من وكالة الأدوية الأوروبية في جويلية 2015.

وفي أكتوبر 2015، أوصت مجموعتان استشاريتان بتنفيذ RTS, S/AS01 على سبيل الارتياد في عدد محدود من البلدان الأفريقية. واعتمدت المنظمة هذه التوصيات وهي تدعم بقوة ضرورة المضي قدما في هاتين التجربتين الرائدتين كخطوة تالية لاختبار لقاح الملاريا العالمي.

وفي نوفمبر 2016، أعلنت المنظمة عن استخدام لقاح RTS,S في مشاريع ارتيادية في ثلاثة بلدان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويتم الآن تأمين التمويل للمرحلة الأولى من البرنامج ومن المقرر أن يبدأ التمنيع في عام 2018. فهذه المشاريع الرائدة يمكن أن تمهد الطريق لتوسيع نطاق نشر اللقاح إذا ما أظهر درجة مقبولة من السلامة والفعالية.

 المصدر: منظمة الصحة العالمية

شاهد أيضاً

جابر بن حيان

شيخ الكيميائيين: جابر بن حيان

يُمثل جابر بن حيان منعطفا جذريا في تاريخ علم الكيمياء، وفي الآن نفسه منعطفا جذريا ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: