الرئيسية / الصفحة الرئيسية / صحة و عافية / أشياء جميلة في الروتين “الممل”
الروتين اليومي
الروتين اليومي

أشياء جميلة في الروتين “الممل”

دوما ما يشار لكلمة روتين على أنها شيء ثقيل على النفس، ومضن للروح، ربما كان هذا المعنى واردا في بعض الحالات، لكن في الغالب الروتين شيء في غاية الجمال، وبغيره لا تستقيم الحياة. ربما علينا أن نتأمل الروتين بشكل مختلف بدءا من اليوم.

في الروتين استقرار وراحة ليس على المستوى النفسي فقط، بل أيضا على المستوى الجسدي، فأجسامنا بحاجة لخطة نوم واستيقاظ ثابتة، وإذا ما حدث وتغيرت هذه الخطة، يبدأ الجسم في التشتت والتذبذب، وتضطرب هرموناته والتي تؤثر بدورها على جميع وظائف الجسم، وتبعا لذلك تتأثر الصحة النفسية، والعقلية للفرد.

الأمهات هن أكثر من يدرك أهمية الروتين اليومي للنوم، فمع قدوم مولود جديد لم تنتظم ساعته البيولوجية بعد تبدأ مواعيد نوم الأم تضطرب، وهذا بدوره يؤثر على تركيزها وعلى صحتها العامة.

جسدك ليس ملولا مثلك، ولا يحب التغيير بالمرة فيما يتعلق بمواعيد الاستيقاظ والنوم، كذلك لا يحب التغيير في مواعيد تناول الوجبات الرئيسية، حتى لا يختل معدل الأيض عندك، فخبراء التغذية دوما يؤكدون ضرورة تناول الوجبات الرئيسية في أوقات ثابتة كل يوم… إلى هذا الحد جسدك يعشق الروتين!

أما بالنسبة للجانب المتعلق بالذكريات، فلا شيء أرسخ من الروتين في الذاكرة، إذا ما أردت أن تصنع ذكرى في ذهن أحدهم، فاجعله يداوم على شيء ما.

الوجبة التي كانت تُعدها والدتي لنا على الإفطار ونحن صغار كل يوم لا تنسى، ولا يمل منها، فقد رسخت في ذهني بحنانها لا بطعمها، لكم أشتاق هذا الروتين الذي كان يشعرني بأن كل شيء سيصير على ما يرام طالما أن أمي بالجوار وتعد لنا الوجبة المعتادة في الصباح.

لم أستطِع يوما أن أمل يوم الجمعة، حيث كان التجمع العائلي، وهو روتين أسبوعي، مع تغيير هذا الروتين أصبح يوم الجمعة عديم المعنى بالنسبة لي فلا شيء محدد لأفعله فيه، صار يوما خاويا ما إن خلا من الروتين.

مع فقدان بعض العادات اليومية المتكررة يفقد الإنسان شعوره بالحياة وبالأشياء من حوله، فهو لم يعرف من الحياة سوى هذه الأشياء، وعندما ترحل يكون جزء منه هو الذي رحل، الحل الوحيد للشعور بمعنى الحياة من جديد هو تكوين روتين جديد، وإذا ما تغير نرتمي في أحضان روتين غيره، المهم أنه لا بد لنا من روتين حتى تستقيم الحياة.

أيام الجامعة بثقلها، وشهور العمل برتابتها، ومسؤوليات الأولاد المجهدة ما هي إلا روتين يأخذ دوره في حياتنا وينقضي، وبعدما ينقضي نشعر بفراغ وحزن شديد، لأن جزءا من عمرنا رحل، أنا حينما كنت أصحو باكرا إلى جامعتي متأففة لم أكن أدرك أن في سعيي هذا سعيا للحياة، العامل الذي يجد عمله ملولا ويجد مهامه متكررة، لا يدرك أن هذا العمل برتابته هو ما يمنح للأيام معنى، والأم التي ملت أعباء أسرتها التي لا تنتهي، لا تدري أن هذه الأعباء هي ما تجعل للوقت قيمة.

الروتين المتكرر رغم رتابته هو الذي يمنح لحياتنا قيمة ومعنى، ربما نجد أنفسنا في وقت ما بحاجة للتجديد، لكن بالطبع لن يكون التجديد مستمرا بل سيكون هذا التجديد بمثابة الانتقال لروتين آخر يتماشى مع الظروف الحالية، لكن أبدا لا تستقيم حياة أحد ما بلا روتين.

حتى في الجانب المتعلق بالعبادات توجد مواقيت شبه روتينية تتغير فقط تبعا لتغير دورة الأرض حول الشمس كل عام، لكنها تبقى ثابتة بطريقة أو بأخرى، فلم نسمع أن عيد الأضحى أتى مرة بعد شهر رجب.

كثيرون منا يضجرون من كون حياتهم تسير على خط ثابت، والغد بالنسبة لهم متوقع، وبعد غد لن يختلف عنه بشكل كبير، هم لا يدركون أن هذا الثبات شبه الدائم هو في حد ذاته نعمة علينا شكرها، فما أجمل أن تمتلك هدفا دائما، وطريقة حياة ثابتة مع الأخذ في عين الاعتبار الظروف التي تطرأ بين وقت وآخر.

هناك آلاف الغرقى ممن يبحثون عن قشة يتعلقون بها لبر الحياة، هذه القشة لن تكون سوى روتين يتمثل في أي شيء كان: دراسة، عمل، أسرة… ليس علينا أن نمل من حياتنا بعد اليوم مهما بدت لنا روتينية، فهذا الروتين هو ما يجعل لها معنى.

المصدر: دينا سعد / عربي بوست

شاهد أيضاً

البحث عن السعادة

في البحث عن السعادة .. لا تسعى جاهدا

بالنسبة للبعض الطريق إلى السعادة رحلة لا هوادة فيها وكلما حاولت أكثر تحصل على المزيد، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: